بقلم المحامي الدكتور/ أحمد الأحمد
يحترم قانون العقود تقليدياً إرادة الأطراف، إذ يسمح لهم بتحديد الحقوق والالتزامات التي تحكم علاقتهم. وتُعد هذه الحرية، أو ما يُعرف بـ استقلالية المتعاقدين، مبدأً أساسياً في تنظيم العلاقات الخاصة. ومن منظور اقتصادي، يركز قانون العقود على استقرار المعاملات بدلاً من فرض الواجبات الأخلاقية، ولذلك غالباً ما تُنفّذ العقود حتى عندما يمتلك أحد الأطراف قوة تفاوضية أكبر بكثير.
تُعد عقود الإذعان مثالاً واضحاً، وهي عقود تُقدّم على أساس “اقبل أو ارفض” في مجالات مثل البنوك والتأمين والإيجارات والمشتريات الاستهلاكية. ورغم عدم توازنها، فإن المحاكم عادةً ما تُنفّذها. لكن عندما يتجاوز عدم الإنصاف الحد المقبول ليصل إلى ظلم فادح، يتدخل القانون لحماية الطرف الضعيف، وذلك من خلال ثلاث قواعد قانونية رئيسية: حسن النية، عدم المعقولية (الغبن)، والإكراه.
- حسن النية والتعامل العادل
تُلزم قاعدة حسن النية والتعامل العادل الأطراف بالتصرف بصدق وإنصاف، بحيث لا يُحبط أي طرف الفوائد المتوقعة من العقد. وهي قاعدة مفترضة في العقود حتى لو لم تُذكر صراحة.
تحديات القاعدة القانونية
- الغموض والذاتية:
حسن النية مفهوم غير محدد بدقة، مما يجعل تفسيره القضائي غير متوقع.
- تدخل قضائي محتمل:
قد تفرض المحاكم رؤيتها الخاصة للعدالة، مما قد يتعارض مع شروط العقد الصريحة.
- إضعاف قيمة التفاوض:
قد تضيف القاعدة القانونية التزامات لم يتفق عليها الأطراف، مما يقلل من قيمة العقود التي تم التفاوض على بنودها بعناية ودقة.
- عدم المعقولية (الغبن)
تسمح القاعدة القانونية عدم المعقولية (الغبن) بإبطال العقد أو بعض شروطه إذا كان الغبن فاحش وبشكل صارخ لدرجة انه “يصدم الضمير“. ويعكس ذلك عادةً اختلالاً كبيراً في القوة التفاوضية أو شروطاً لا يقبلها شخص معقول.
تحديات تطبيق القاعدة القانونية
- اختلاف التقدير القضائي:
تختلف المحاكم في تحديد ما يُعد غير معقول، مما يؤدي إلى نتائج غير متسقة.
- عدم القدرة على التنبؤ:
قد يصعب على الأطراف توقع ما إذا كانت المحكمة ستبطل العقد لاحقاً.
- التعارض مع الاستقلالية:
يرى البعض أن للأطراف الحق في إبرام عقود غير متوازنة طالما كانت طوعية.
- إعادة صياغة العقد قضائياً:
قد تقوم المحاكم بتعديل أو حذف شروط، مما يستبدل إرادة الأطراف برؤية المحكمة.
التخفيف: شرط قابلية الفصل
يُنصح المحامون بإضافة شرط قابلية الفصل لضمان بقاء العقد نافذاً حتى لو أُبطلت بعض شروطه.
- الإكراه
يشير الإكراه إلى إجبار أحد الأطراف على إبرام عقد عبر تهديدات أو ضغوط غير مشروعة. ويكون العقد قابلاً للإبطال من قبل الطرف المُكره.
عناصر الإكراه
- وجود تهديد بضرر جسدي أو مالي أو معنوي.
- أن يكون التهديد غير مشروع.
- أن لا يكون للطرف المُكره بديل معقول سوى قبول العقد.
مخاطر سوء الاستخدام
قد يحاول بعض الأطراف التهرب من التزاماتهم عبر الادعاء بوجود إكراه، خصوصاً في حالات الإكراه الاقتصادي، حيث يدّعي الطرف المتضرر مالياً أنه لم يكن أمامه خيار آخر.
الخلاصة
لا تُقوّض القواعد القانونية – حسن النية وعدم المعقولية والإكراه – مبدأ الاستقلالية، بل تُشكّل حدوداً ضرورية تمنع تحوّل الحرية التعاقدية إلى أداة استغلال. فالاستقلالية مهمة، لكنها ليست مطلقة. ويمكن القول إن المبدأ الأكثر شمولاً هو التوازن بين الاستقلالية والعدالة، وهو ما يعكس الهدف المزدوج لقانون العقود: احترام حرية الأفراد ومنع النتائج الجائرة.
من خلال تطبيق هذه القواعد القانونية، تؤكد المحاكم على الشرعية الأخلاقية والقانونية لقانون العقود، وتضمن أن تظل الاتفاقيات الخاصة فعّالة وعادلة في الوقت نفسه.