بقلم المحامي الدكتور/ أحمد الأحمد
يُنظر إلى قانون الشركات في ولاية ديلاوير على نطاق واسع باعتباره المعيار الذهبي لحوكمة الشركات، وذلك بفضل قضائها المتخصص وعقائدها القانونية المتطورة. ومع ذلك، فإن ملاحظة أحد قضاة ديلاوير بشأن وجود “تناقضات مستمرة” ليست بلا أساس. فهناك عدة مجالات في القانون تكشف عن توترات قد تؤدي إلى نتائج غير متوقعة في التطبيق العملي. يسلّط التحليل التالي الضوء على أبرز هذه التناقضات وآثارها.
- واجبات الأمانة: العناية والولاء
يفرض قانون ديلاوير واجبين أساسيين على أعضاء مجلس الإدارة: واجب العناية الذي تحميه قاعدة حكم الأعمال (BJR)، وواجب الولاء الذي يُقيّم وفق معيار العدالة الكاملة. وعلى الرغم من أن كلا الواجبين يهدفان إلى حماية مصالح الشركة، إلا أنهما قد يؤديان إلى نتائج متعارضة عند تطبيقهما على الوقائع نفسها.
الإجراءات مقابل النتيجة
- قاعدة حكم الأعمال (BJR):
ان قاعدة حكم الأعمال (BJR) تركز على الإجراءات. يجب على المديرين بذل عناية الشخص المعقول والحريص في اتخاذ قراراتهم والتي تكون مبنية على معلومات كافية وبعد مداولات مناسبة فيما بينهم. وتمتنع المحاكم عن التدخل ما لم يثبت وجود إهمال جسيم.
- معيار العدالة الكاملة:
أما معيار العدالة الكاملة فإنه يركز على النتيجة. عند وجود تضارب مصالح أو تعامل ذو مصلحة ذاتية، يجب على المديرين إثبات عدالة الإجراءات وعدالة السعر. ولا تمنح المحاكم أي افتراض لصالحهم في هذه الحالات.
نقاط التناقض
- الافتراضات:
تفترض قاعدة حكم الأعمال أن المديرين تصرفوا بحسن نية، بينما معيار العدالة يفترض العكس ويُلزم المديرين بإثبات العدالة.
- نطاق التطبيق:
تُطبّق قاعدة حكم الأعمال بنطاق واسع على معظم القرارات ما لم يوجد تضارب مصالح، بينما يُطبّق معيار العدالة بنطاق ضيق في معاملات تشمل تضارب مصالح وصفقات ذات مصلحة ذاتية، مما قد يؤدي إلى نتائج مختلفة للقرار نفسه.
- الجمع بين الادعاءات:
غالباً ما يجمع المدّعون بين ادعاءات الإخلال بواجب العناية وواجب الولاء، مما يعقّد التحليل القانوني ويخلق حالة من عدم اليقين للمديرين.
حلول محتملة
يمكن للمحاكم الحد من التناقضات عبر:
- تطبيق معيار العدالة فقط عند وجود تضارب مصالح جوهري ومرتبط بتعامل ذو مصلحة ذاتية مباشر.
- اعتماد معيار وسط مثل مراجعة ريفلون المتوسطة كمعيار قضائي في الحالات المختلطة، بحيث يتم تقييم سلامة الإجراءات والنتيجة دون افتراض سوء نية أو إلزام المديرين بإثبات العدالة الكاملة إلا في الحالات الخطيرة.
- واجبات الأمانة أثناء عروض الاستحواذ: معيار Unocal مقابل معيار Revlon
يفرض قانون ديلاوير واجبات مختلفة على مجلس الإدارة بحسب ما إذا كانت الشركة تواجه عرض استحواذ عدائي أو أنها معروضة للبيع فعلياً.
معيار Unocal/Unitrin
وفق قضيتي Unocal (1985) وUnitrin (1995)، يمكن للمجلس اتخاذ تدابير دفاعية إذا رأى تهديداً لسياسة الشركة أو فعاليتها، حتى لو أثّر ذلك على المكاسب الفورية للمساهمين.
معيار Revlon
عندما تصبح الشركة “معروضة للبيع“، تُلزم قضية Revlon (1986) مجلس الإدارة بالتركيز حصرياً على تحقيق أعلى قيمة للمساهمين، ويصبح دور المديرين أشبه بدور “المزاد العلني“.
التوتر بين المعيارين
يواجه المجلس غالباً صعوبة في تحديد اللحظة التي تُفعّل فيها واجبات Revlon، مما قد يجبره على التحول المفاجئ من استراتيجية دفاعية إلى استراتيجية تحقيق أعلى قيمة للمساهمين، وهو ما يعرّضه لمخاطر قانونية.
إمكانية التوفيق
يمكن للمحاكم استخدام مراجعة متوسطة كمعيار قضائي في كلا السياقين:
- في Unocal: تقييم مدى معقولية التدابير الدفاعية.
- في Revlon: تقييم مدى معقولية جهود تحقيق أعلى قيمة للمساهمين.
يساعد ذلك في تقليل حالة عدم اليقين دون إلغاء الفروق الجوهرية بين المعيارين.
- الاحتيال في الأوراق المالية: ديلاوير مقابل القانون الفيدرالي
يختلف نهج ديلاوير تجاه الاحتيال المتعلق بالأوراق المالية بشكل كبير عن القانون الفيدرالي، مما يخلق انطباعاً بوجود تناقضات عند المقارنة بين النظامين.
غياب نص مشابه للمادة 10b-5
لا تمتلك ديلاوير نصاً عاماً لمكافحة الاحتيال مثل القاعدة 10b-5. وبدلاً من ذلك، تُصاغ الدعاوى عادةً كإخلال بواجب الأمانة أو كاحتيال وفق القانون العام.
اختلاف المعايير والعلاجات
- النية الاحتيالية:
يشترط القانون الفيدرالي إثبات نية الاحتيال، بينما قد تنجح دعاوى ديلاوير دون إثبات النية.
- العلاجات القانونية:
تقتصر ديلاوير غالباً على العلاجات الإنصافية، بينما يسمح القانون الفيدرالي بالتعويضات المالية.
هذه الاختلافات لا تعكس تناقضاً داخل قانون ديلاوير نفسه، لكنها تؤدي إلى نتائج مختلفة للمساهمين بحسب المحكمة المختارة.
الخلاصة
التناقضات الظاهرة في قانون ديلاوير ليست عيوباً جوهرية، بل تعكس طبيعة القانون المرنة والمعتمدة على الوقائع. ومع ذلك، فإنها قد تخلق حالة من عدم اليقين للمديرين والمساهمين، مما يجعل الحاجة إلى توجيه قضائي أكثر وضوحاً أمراً مهماً لتعزيز الاتساق واليقين القانوني.